الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
149
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قهرته الحجة وبهره سلطان الحقّ ، فلم يبق له منتشب من المعارضة المقبولة فهو يهرع إلى انتحال معارضات بمعاذير لا تدخل تحت التمحيص ولا تثبت في محكّ النقد . « ولا بدّ للمغلوب من بارد العذر » وإذ قد اشتهر بين الدّهماء من ذوي الأوهام أنّ السحر يظهر الشيء في صورة ضدّه ، ادّعى هؤلاء أنّ ما ظهر من دلائل صدق موسى هو سحر ظهر به الباطل في صورة الحقّ بتخييل السحر . ومعنى ادّعاء الحقّ سحرا أنّ دلائله من قبيل التخيلات والتمويهات ، فكذلك مدلوله هو مدلول السحر وهو إنشاء تخيل باطل في نفوس المسحورين ، وقد حملهم استشعارهم وهن معذرتهم على أن أبرزوا دعواهم في صورة الكلام المتثبّت صاحبه فأكّدوا الكلام بما دلّ عليه حرف التوكيد ولام الابتداء إِنَّ هذا لَسِحْرٌ ، وزادوا ذلك ترويجا بأن وصفوا السّحر بكونه مبينا ، أي شديد الوضوح . والمبين اسم فاعل من أبان القاصر ، مرادف بان : ظهر . والإشارة بقوله : إِنَّ هذا إلى ما هو مشاهد بينهم حين إظهار المعجزة مثل انقلاب العصا حية ، وخروج اليد بيضاء ، أي أنّ هذا العمل الذي تشاهدونه سحر مبين . وجملة : قالَ مُوسى مجاوبة منه عن كلامهم ففصلت من العطف على الطريقة التي استخرجناها في حكاية الأقوال ، كما تقدم في قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ، إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] ، ونظائره الكثيرة . تولى موسى وحده دون هارون مجادلتهم لأنه المباشر للدعوة أصالة ، ولأن المعجزات ظهرت على يديه . واستفهام أَ تَقُولُونَ إنكاري . واللام في لِلْحَقِّ لام التعليل . وبعضهم يسميها لام البيان . وبعضهم يسميها لام المجاوزة بمعنى ( عن ) . وجملة : أَ سِحْرٌ هذا مستأنفة للتوبيخ والإنكار ، أنكر موسى عليهم وصفهم الآيات الحق بأنها سحر . والإشارة تفيد التعريض بجهلهم وفساد قولهم ، بأن الإشارة إلى تلك الآيات كافية في ظهور حقيقتها وأنها ليست من السحر في شيء . ولذلك كان مفعول أَ تَقُولُونَ محذوفا لدلالة الكلام عليه وهو إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ فالتقدير : أتقولون هذا القول للحق لمّا جاءكم . وقريب منه قوله تعالى :